مقرر تدريس التاريخ بالمدرسة المغربية: سياق النشأة ومراحل التطور ..الحسن إدوعزيز*

 

…. الجزء الثالث
المدارس الموحدية:
بعد حوالي قرن من تأسيس مدرسة أبي الحسن الشاري بسبتة، أنشأ المخزن الموحدي مدارس أخرى لا يعلم عنها الباحثون الشيء الكثير؛ سوى ما عثر عليه الأستاذ “محمد المنوني” من وقفية كتابين حبسهما الخليفة “المرتضى” الموحدي (646-666هـ/1230-1249م)، أحدهما على مدرسة”القصبة” والثاني على مدرسة “جامع المرتضى”، وتاريخ تحبيسهما سنة 658هـ/1242م وهو تاريخ يتزامن مع تاريخ ظهور المدرسة الأولى بإفريقية على يد الحفصيين مما يفسر المنافسة القائمة بين الدولتين، حسب الباحثين، في هذا المجال. ومهما كان حجم المدارس الموحدية ووضعيتها فإن تأثيرها على الحياة التعليمية انذاك كان جد محدود، لتزامنها مع الفترات الأخيرة من حكمهم..مما جعل المبادرة الهامة لتشييد المدارس في تاريخ المغرب بيد المخزن المريني.

المدارس المرينية:
لقد جاءت مبادرة المخزن المريني بعد أربعين سنة من تأسيس مدرسة “سبتة” السالفة الذكر، وذلك حين أقدم “أبو يوسف يعقوب” على تدشين مدرسة “الحلفاويين” قرب “رحبة البقر” إلى القبلة من “القرويين” سنة 675هـ/1258م. وهو الأمير الذي نُسب له بناء مدارس أخرى عديدة دون تحديد لعددها أو أماكن بنائها…ليتوقف المشروع المريني نصف قرن تقريبا، بعد أن واجه معارضة قوية من طرف فقهاء العاصمة “فاس” بسبب طرق تمويلها من الأموال المغصوبة، وبسبب الإضطرابات التي عرفتها الدولة المرينية والمتمثلة في الثورات المزمنة للأمراء حول الحكم، وفي الصراع المستمر مع الإمارات المجاورة كـ”بني عبد الواد” بتلمسان، “بني الأحمر” بغرناطة، و”المسيحيين” على الثغور الشمالية. وسيُستأنف بناء المدارس، من جديد، من سنة 721هــ/1303م إلى حدود 760هـ/1341م سنة وفاة “أبي عنان المريني”؛ حيث أُسست أزيد من 20 مدرسة، منها ثلاثة شيدها “أبو سعيد عثمان” (709-731هـ/1291-1312م) في دار الملك بـ”فاس”، واثنا عشرة أُخرى موزعة على أهم مدن المملكة بالمغرب الأقصىى وحده…وهي مدارس كلها مُولت بأموال الأحباس نظرا لتوطد السلطة المرينية واستقرارها السياسي النسبي.
وإذا كانت مدارس هذه الفترة، كما تلح على ذلك النصوص التاريخية وبعض وقفيات التحبيس، قد ساهمت في إحياء العلم وتوفير الظروف المعيشية المواتية للطلاب والمتمدرسين كي يتفرغوا للعلم والتحصيل؛ وجعلت التعليم مجانيا يُمول بالأحباس سواء على مستوى توفير المقاعد الدراسية أو على مستوى الوسائل أو الأُجور…مما أدى إلى نشر التعليم ودمقرطته بين فئات واسعة حضرية وبدوية. فإن هذا كانت له نتائج عكسية على مستوى بعيد؛ ذلك أن ظاهرة التحبيس وجهت التعليم حسب رغبات المحبسين وشروطهم…مما وجه المضمون نحو العلوم النقلية مقابل إقصاء العلوم العقلية كالفلسفة مثلا. وقد لاحظ “الحسن الوزان” هذا التهميش لدى السكان، إبان هذه الفترة، قائلا:”وكان من عاداتهم في القديم أن يدرُسوا الرياضيات والفلسفة وحتى علم الفلك؛ غير أنه منذ أربعمائة سنة خلت…منعهم فقهاؤهم وملوكهم من تعاطي معظم هذه العلوم. وذلك ما حدث للفلسفة والتوقيت الشرعي”. فكثرت المختصرات في التآليف أواخر العهد المريني، وأُلغيت الرحلات العلمية للقاء المشايخ تخفيفا للعلم وربحا للمال والوقت مما ساهم في انحطاط وتدني مستوى التعليم أواخر العصر الوسيط وبداية العصر الحديث على العموم.

التعليم في العصر الحديث:
إذا كان العصر المريني عصر تشييد المدارس بامتياز؛ حيث ازدهر التعليم ونُشر وجُعل مجانيا لأهل الحواضر والبوادي على السواء. فإن هذا الإزدهار سرعان ما توقف مع استيلاء الوطاسيين على الحكم ودخول البلاد في فترة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية حيث انعدم الأمن والاستقرار، واستولى اليأس على القلوب ولم يعد هناك من يشجع العلم والعلماء… إذ سيُصبح التعليم مرتبطا أشد الإرتباط بحركة الزوايا التي ستسترجع مكانتها بداية من القرن 9ه/15م وعلى امتداد الفترة الحديثة..وحيث سيكون لهذه المؤسسات الدور الحاسم في الدفاع عن الوطن كلما ضعفت السلطة المركزية؛ كما ستتكفل بعملية التربية والتقريب بين العامة والعلماء بسعيها الدائم لتأمين السبل وحماية المظلومين وإيواء الفقراء.. فانتشرت بذلك المدارس العتيقة التابعة للزوايا على امتداد ربوع البلاد، حيث كان يتم التركيز على تعليم مبادئ القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن مع إتقان رسمه وتجويده في المراحل الأولى؛ قبل الإنتقال مع الأذكياء والنبهاء من الطلبة إلى قراءة بعض المتون الفقهية واللغوية والنحوية المتداولة أنذاك كــ”ابن عاشر”، و”رسالة أبي زيد القيرواني” و”الأجرومية” و”ألفية ابن مالك” وغيرها من المتون من أجل تأهيلهم ليكونوا فقهاء في المستقبل. وكانت هذه المدارس تكون تحت مراقبة الفقيه المؤسس للزاوية أو المسؤول عنها بنفسه، وكان دوره يقتصر في القاء دروس عليا في التفسير والحديث واللغة والنحو وغيرها من المواد المخصصة لكبار الطلبة،في الوقت الذي كان فيه الكثير من كبار العلماء يعهدون الى بعض كبار تلامذتهم بالتدريب على تدريس الطلبة المبتدئين تحت نظرهم. حيث تؤكد المصادر على أن بعض هذه المدارس كان لها دور أساسي في تخريج عدد من جهابذة المغرب خلال القرن 11هـ/17م، كما هو الحال بالنسبة لمدرسة زاوية “تامكروت”على عهد شيخها “محمد بن ناصر” الذي خرج علماء كبارا أمثال “أبي علي الحسن اليوسي” و”أبي سالم العياشي” و”محمد بن سعيد المرغيتي” وغيرهم.
وعلى العموم، وكما هو ملاحظ اعلاه، فلم يتصدر في المغرب طيلة العصر الحديث حتى الحماية الفرنسية (1912م) سوى هذا النوع من التعليم التقليدي القديم (الديني أساسا) الذي تكفلت به مدارس عتيقة كان خطابها التربوي موجها ومؤطرا بالتوجه المخزني الرسمي أو ما يدور في فلكه. وكان هذا التوجه مطبوعا بتصورات ماضوية تصل حد تجريم كل من أحال إلى أي إطار مرجعي ثقافي أو فكري محدث أو مخالف للتصور التراثي المهيمن، حتى ولو كان ضمن المرجعية الدينية ذاتها. ولعل أبرز تعبير على ذلك هو الظهير الذي أصدره السلطان العلوي “محمد بن عبد الله” (1757-1790م) ، والذي يحدد فيه ما يجب تدريسه، كما جاء في فصله الثالث: ”ليعلم الواقف على هذه الفصول، أننا أمرنا بإتباعها والاقتصار عليها، ولا يتعداها الى سواها(…)؛ أما المدرسون في مساجد فاس: فإنا نأمرهم ألا يُدرسوا إلا كتاب الله تعالى بتفسيره وكتاب دلائل الخيرات في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كتب الحديث المسانيد والكتب المستخرجة منها، والبخاري ومسلما من الكتب الصحاح، ومن الفقه المدونة والبيان والتحصيل(…) ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة وكتب غلاة الصوفية، وكتب القصص، فليتَعاطَ ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون، ومن تعَاطَ ما ذكرنا في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومَنَّ إلا نفسه”.
وكما يتضح من هذا النموذج، فالتعليم إبانئذ كان يسعى الى الحفاظ على نفس البنى الإجتماعية القائمة على التقليد بُغية انتاج نفس الأفراد الخاضعين ومنعدمي الثقة مما يُسهِّل السيطرة عليهم وتوجيههم. اللهم بعض المحاولات الإصلاحية التي تعود الى مغرب القرن 19 (عهد المولى الحسن الأول)، حيث يُحسب للمخزن المغربي إرساله بعض البعثات الطلابية (طُلبة) من أجل التدريب وتحصيل تعليم حديث في المدارس والمعاهد العسكرية الأجنبية على غرار التجارب اليابانية (عهد الميجي) والتركية والمصرية في أفق اكتساب خبرات متنوعة وتزويد البلاد بأطر إدارية، تقنية وعسكرية تستجيب لمتطلبات العصر. حيث تعددت وجهة هذه البعثات إلى كل من مصر وأوروبا (فرنسا، جبل طارق، ألمانيا، إيطاليا)، وخاصة منها تلك التي أُرسلت إلى المدرسة العسكرية بـ”مونبوليي” (Montpellier) بفرنسا سنة 1885م… إلا أن حصيلة ومآل هذه البعثات معروف لدى الجميع. إذ سرعان ما أُقبر المتخرجون بعد عودتهم في مكاتب بعض الدواوين الوزارية بمهام لا علاقة لها مع طبيعة تكوينهم العلمي…
…يُتبع
*أستاذ، وباحث في التاريخ

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *