مقرر تدريس التاريخ بالمدرسة المغربية: سياق النشأة ومراحل التطور.. الحسن إدوعزيز*

0 16

 

…. الجزء الثاني

إن المتتبع لتاريخ المنظومة التعليمية المغربية، يرى ان بداياتها الأولى انطلقت منذ نهاية القرن الأول الميلادي؛ مع بسط السيطرة الرومانية على منطقة الشمال الإفريقي… وعرفت تطورا مستمرا عبر مختلف العصور التاريخية اللاحقة، بدءا بالعصر الوسيط مع وصول الفتح الإسلامي، ومرورا بالعصر الحديث في ظل الدول التي تعاقبت على المغرب، ووصولا الى التاريخ المعاصر خلال القرن العشرين، مع دخول المغرب تحت الحماية الفرنسية، ونهاية بمغرب ما بعد الاستقلال حيث محاولات الإصلاح المتكررة منذ اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم 1957 حتى ميلاد الميثاق الوطني للتربية والتكوين مطلع الألفية الثالثة. فماهي ملامح النظام التعليمي المغربي خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة؟
التعليم خلال الفترة الرومانية
لقد حملت الإمبراطورية الرومانية إلى منطقة الشمال الافريقي طرق عيش مختلفة، وحرصت على تكريس لغتها وتوسيع مجال استعمال ثقافتها الرومانية- الهلنستية عبر عملية التعليم، وعبر نشر المدارس تماشيا مع سياستها الهادفة لرومنة مجموع المناطق المحتلة. ولقد انتشرت اللغة اللاتينية بمجموع ولاية افريقيا، منذ الفترة الإمبراطورية، كما ظهرت بعض رموز الخطابة والنحو وبعض المثقفين كما كان عليه الحال بمنطقة سطيف (stif) حيث برز شباب متمكن من اللغتين اللاتينية والإغريقية، كما نبغ بعض نبلاء “سلا” (sala) من أصدقاء الحاكم الروماني للمدينة؛ والذين ساهموا في تحرير بعض المراسيم الشرفية بلغة لاتينية رصينة. والملاحظ أن مجموع الإمبراطورية كان مغطى بشبكة من المؤسسات التعليمية التي أنتجت نحويين وبلاغيين ورجال دين بالعديد من المراكز الهامة؛ كالقديس “أوغسطينوس” الذي ازداد في مدينة “طاكاست” (Thagaste) بـ”نوميديا” البروقنصلية وتابع دراسته الإبتدائية بها (مثله مثل زميله فرجليوس)، ثم انتقل الى مدينة “مادورا” (Madaura) موطن المؤرخ “أبوليوس، من أجل تعلم دروس النحو والبلاغة…قبل الوصول الى “قرطاج” لإكمال دروسه تحت رعاية وسخاء حامي مدينة”طاكاست” “كرنليوس رومانيانوس”، ويعين في سن الواحدة والعشرين أستاذا عموميا للبلاغة في “قرطاج” ثم خطيبا عموميا في ميلانو بعد سنة 321م.

وعموما فالمدارس الرومانية لم تكن، سواء في برامجها أو طرق تعليمها، إلا تقليدا للمدارس الهلنستية، كما ان التأقلم مع الوسط اللغوي اللاتيني لم يؤد الى تغييرات عميقة في مناهج التربية والبيداغوجيا. فالتعليم كان ينقسم الى ثلاث مستويات أساسية تُطابقها ثلاثة انواع من المدارس يُشرف عليها أساتذة متخصصون؛ وكان الطفل يلج المدرسة الإبتدائية منذ سن السابعة، ليغادرها في السنة الحادية أو الثانية عشرة، قبل الإنتقال لمدرسة النحو، ثم لمدرسة البلاغة فيما بعد. كما كان التركيز يتم على التعليم الإبتدائي ببرنامج محدود الطموح؛ يمكن المتعلمين من أبجديات القراءة والكتابة والحساب… أما بالنسبة للتعليم الإعدادي، فلم يكن بإمكان كافة المتعلمين الطموح إليه ذلك ان المجتمع الروماني ظل مجتمعا ارستقراطيا بقيت الدراسات المعمقة فيه حكرا على النخبة، كما أن هذا النوع من التعليم كان أقل استثمارا من سابقه؛ مثله مثل مدارس النحو والبلاغة والأدبيات الكلاسيكية والتعليم العالي التي ارتبطت بتلقين فنون الخطابة الإغريقية وظلت مشتلا لأبناء النخبة من العقول النشيطة والثاقبة القادرة على تقديم موظفين كبار كالقضاة وأساتذة القانون والمؤرخين…
التعليم في العصر الوسيط
أما في العصر الوسيط، فبدخول الإسلام الى شمال افريقيا؛ كان لابد للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية بالمنطقة أن تتغير…وهكذا حلت تعاليم الإسلام محل التبشير بالمسيحية، وحلت “تاخوربيشت” محل “الدير”، وتحولت معظم الكنائس الى مساجد وجامعات تقليدية ومدارس عتيقة…قبل ان تنشط حركة الزوايا، بضعف السلطة المركزية في أكثر من مناسبة، وتتكفل بنشر الدين الجديد وبتلقين روادها العلوم الشرعية من لغة وفقه وحديث وتفسير…
مدرسة “أبي الحسن الشاري”: أول مدرسة تعليمية بالمغرب والغرب الإسلامي
وإذا اختلف جل المؤرخين حول تاريخ ظهور المدارس في تاريخ المغرب الوسيط، فإن المصادر المتاحة تؤكد على أن أول مدرسة بمفهومها الدقيق بالمغرب والغرب الإسلامي كانت على يد الخواص ولم تكن على يد المخزن، وهي مدرسة “أبي الحسن علي الغافقي الشاري” (توفي سنة 649هـ/1233م) التي أسسها بجوار “باب القصر” أحد أبواب مدينة “سبتة” سنة 635هـ/1219م، حيث وقفها على أحسن أملاكه، وحبس عليها خزانة من الكتب مشتملة على مصنفات في مختلف العلوم. وذلك بهدف احياء العلم والسنة بهذه المدينة، بعد الإضرابات السياسية والضغوطات الإستعمارية المسيحية التي تعرضت لها لأزيد من ربع قرن من الزمن عقب ضعف الدولة الموحدية أنذاك (610-637هـ/1195-1221م). وحسب المصادر فهذه المدرسة كانت حديثية (تهتم بعلوم الحديث) انسجاما مع المذهب الموحدي-التومرتي؛ وخلافا للمدارس المرينية، التي ستأتي بعدها، والتي تهيمن عليها الدراسات الفقهية.. ذلك ان تكوين مؤسسها يغلب عليه الحديث، حيث باشر التعليم فيها بنفسه منذ نشأتها..ليستمر التدريس بعده، على يد علماء آخرين، حتى القرن 8هـ/ 14م….
….يُتبع
* أستاذ، وباحث في التاريخ

Loading...