مقرر تدريس التاريخ بالمدرسة المغربية: سياق النشأة ومراحل التطور.. (1)

 الحسن إدو عزيز*

لا شك أن قوة الدول تتحدد بما توافر لها من إمكانيات إقتصادية، وبعمق تجاربها السياسية والاجتماعية. ولا شك أن تلك القوة تُبنى على ما يميز كل دولة عن أخرى من مجال طبيعي ورأسمال بشري…لكن الأكيد أن تلك القوة تنبع أيضا من العمق التاريخي لهذه الدول، ومدى تجذرها في الماضي الإنساني..وبمدى عراقة وأصالة أنظمتها التعليمية وفي مدى اهتمام هذه الأنظمة بالمسألة التاريخية والثقافية، والتراثية الحضارية؛ على اعتبار أن التاريخ من المواد الحاملة لثقافة وحضارة وقيم الشعوب، ومن خلاله يمكن تتبع ملامح مجتمع من المجتمعات من أجل تفسير الماضي وفهم الحاضر، واستشراف المستقبل.
من هذا المنطلق، سنحاول رصد كرونولوجيا تطور مقررات تدريس التاريخ بالمدرسة المغربية، وتتبع التراكم الحاصل فيها على المستويين المعرفي والمنهجي، لأجل تقاسم المعطيات مع بعض المهتمين والطلبة ممن هم مقبلون على خوض غمار تجربة التربية والتعليم. حيث نرى ضرورة الاطلاع على عرفته هذه المقررات من تنقيح وتطور في سياق التطور العام للنظام التعليمي المغربي، وضرورة مناقشة ما تروم تزويد الناشئة به من معارف تاريخية، ووسائل منهجية تخول لهم معرفة تاريخ حضارتهم المغربية بمختلف روافدها، وتساعدهم على فهم مجالهم من أجل المساهمة في تطويره…كما نصبو إلى المشاركة قدر الإمكان في النقاش الدائر اليوم حول ورش التربية والتكوين، وحول تدريس مادة التاريخ بالمغرب في سياق أسئلة وإشكاليات ديداكتيكية ملحة وراهنة. ذلك أن المعارف والمحتويات التعليمية (والتاريخية منها بالخصوص) اليوم لم تعد موضع إشكال، بحكم التراكم المعرفي الذي حصل في هذا الميدان، وبحكم العولمة في زمن أصبحت فيه السيطرة للثقافات والحضارات التي تستطيع فرض ذاتها، وأصبحت فيه المعايير الأساسية لتفوق المناهج في قدرتها على بناء الفهم من خلال النقاش ومواجهة الأفكار. كما أن مواطن/متعلم اليوم لا يطور وجهة نظره ويُغنيها إلا إذا ما جعلها تواجه فكر الغير…
فكيف يمكن الحديث عن أصالة التجربة التعليمية المغربية في ظل هذا النقاش وهذه التساؤلات؟ وكيف استطاع المقرر المدرسي للتاريخ تكريس الهوية الحقيقية للمجتمع المغربي؟ وما هو نوع التراث والثقافة الذي يحاول تمريره والحفاظ عليه، وإعادة انتاجه؟ وما هي نوعية الطرائق والمحتويات الديداكتيكية التي سخرتها من أجل ذلك؟
إنها إشكالية أساسية وجوهرية جعلناها منطلقا أوليا لنقاشنا هذا، وسنحاول الإحاطة ببعض جوانبها، معتمدين في ذلك على مجموعة من المقالات والدراسات الرصينة، وبعض المراجع الحديثة لبعض الباحثين والأكاديميين والمشتغلين بقطاع التربية والتكوين، وعلى بعض المذكرات الرسمية والتوجيهات التربوية الصادرة عن الوزارة الوصية.
…..يتبع

* أستاذ، وباحث في التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *