أحلم أن أمسي تافها جداً

عادل الزبيري

لأن كل التصرفات التي قمت بها، خلال السنوات الماضية، لم تنفع في وصولي إلى ما أريد؛ لم أتسلق السلالم، ولم أصعد إلى السطح، قررت أن أبحث عن سبيل لأصبح تافها جدا، لعل وعسى أنجح في وصول القمم، بعد سنوات عشت فيها بين الحفر، بسبب اتباعي طريق بمذاق من الجدية والمثابرة.
فأول سلوك يجب أن أعتمده، في نظري، هو تعلم فنون التمسح والتملق ولعق الأيادي والأرجل، مع حضور كل الأنشطة الفارغة من المحتوى، والتي يترأسها وزير أو مسؤول أو رجل هام؛ يمتلك مالا ليكتري قاعة في فندق، ويقدم للضيوف أردأ عصير في أفخر كؤوس من زجاج، مع صينيات من الحلويات المغربية والفرنسية.
ففي وطني المغرب، وفي عالمي الأمازيغي والعربي والإسلامي، الذي أنتمي لهم جميعا، مع تأسفي الشديد، تتحول الرداءة يوميا إلى سلعة رائجة جدا، وأرغب في التسوق منها، وأحلم في ركوب مكان، في الحافلة التي تقودها الرداءة، لأنها موسيقى الزمان التي تلقى ترحيبا من مستعمين كثر، وأكثر من أي وقت مضى.
وعلى حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي، سأمجد وسأمدح وسأصفق طويلا، لكل كلام لكل مسؤول، لأنني أرغب في أن أصبح تافها مع كل مراتب الشرف، وسأرتدي بعد يومي هذا بدلا رسمية بكل الألوان، ولن أزيل ربطات العنق عن رقبتي، وسأضع عطورا جميلا، يثير العابرات والعابرين.
فالهواء كما الأفكار، فيها الكثير من العفن، وفيها الكثير من الغدر، وفيها الكثير من السم الزعاف الذي يصنعه الإنسان، تمد له يد الخير خيرا، فإذا لم يبترها شلها وسممها زعافا، وا حسرتاه على بتي الإنسان في الأوطان، حتى أصبحت الرجولة مذمة، والكذب ذكاء، والغش مهارة، والنصب اجتهادا.
ففي كثير من اللحظات نبحث عن أسباب تخلفنا، وننسى أننا السبب الرئيسي أي المواطن المغربي، المغرض في هواء الرداءة، إلا من رحم الرحمن، وأبقاه على صباغته الأصلية، صامدا ومقاوما، وأحلم أن أتعلم التخلص من صفاتي التي تقول أمي إنها أصيلة، لأتعلم الوصولية والتزلف والتحذلق.
وسأبدأ منذ هذه الليلة في التدرب، على الجمل الركيكة للوصف وللتهليل وللتطبيل وللتزمير، لكل من يدفع أكثر، ويريع أكثر، ويجزي العطاء لي، فما الفائدة من القيم التي سقط شعر رأسي تحت مظلة الإيمان بها؟؟؟
وبكل صراحة، وجدت صعوبة شديدة في الاسترسال في كتابة مقالي هذا، لأن نفسي مع ذلك عزيزة وأمازيغية حرة، تأبى التذلل لمن علا أى نزل من شأنه في الدنيا، لأن أبي وأمي ومن رعاني صبيا، سقوني جميعا بالرجولة حليبا، اشتد عودي رغم كل الضربات التي وجهها لي الغدارون في وطني، ولم أصل إلى عقد من الصحافة إلا بالاشتغال وسط الكثير من الضجيج ومن المشوشين ومن الحاقدين ومن المتآمرين ومن المنافقين ومن النصابين، لا أملك مصائر الناس، لأني لست ربا، ولكن أملك قراري بأن أظل كما أنا حرا طليقا يتنشق الهواء نسيما بدون رطوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *