في ضرورة إصلاح الأحزاب

0 13

محمد بوبكري
تلعب الأحزاب دورا أساسيا في التحول الديمقراطي شريطة أن تمتلك مشروعا مجتمعيا وتتوفر على تنظيمات متماسكة وفعالة تمكنها من أن تكون لها امتدادات مجتمعية تضمن لها التواجد في مختلف مؤسسات المجتمع والدولة…
لكن عندما نتأمل أوضاع الحقل الحزبي في بلادنا نجد أن الانتخابات الجماعية لـ 4 شتمبر 2015 تؤكد بوضوح أن الحزب بمفهومه الحداثي لا يوجد اليوم في المغرب. ويعود ذلك إلى أن ظاهرة استفحال استعمال المال الفاسد للفوز في الانتخابات تُشكل دليلا قاطعا على أنه لا توجد عندنا أحزاب حداثية وديمقراطية، إذ يدلٌّ توظيف المال الفاسد لشراء أصوات الفقراء والمحتاجين من قِبَلِ مرشحي الأغلبية الساحقة من الأحزاب على أن التصويت لا يكون على الحزب ولا يتم على أساس اختيار واع، وإنما على صاحب المال الفاسد من أجل الحصول على مبلغ زهيد منه أو حضور وليمة… ويعني ذلك أن الأحزاب لا تعير أي اهتمام للاختيارات الفكرية والسياسية ولا تمتلك تنظيمات مٌتواجدة في شرايين المجتمع ومفاصله، ما يكشف بجلاء أن هذه الأحزاب لا تنهض على مبادئ وقِيَّم ومشاريع تجمع بين أعضائها…
إضافة إلى ذلك، عندما يشتري صاحب المال الفاسد التزكية من الزعامة الحزبية ويشتري أصوات الفقراء، فإنه يعتقد أن موقعه الذي اشتراه في “المؤسسات الحزبية والمنتخبة” هو مجرد سلعة يمكنه التصرف فيها كما يشاء، إذ يعتبره ملكية شخصية له، لا دخل لزعامة الحزب ولا لأعضائه فيها. لذلك نجد أن هؤلاء “المنتخبين” الذين يستعملون المال الفاسد يركضون وراء مصلحتهم الخاصة، فيبيعون أصواتهم لمن يدفع لهم أكثر بغية وصوله إلى مواقع المسؤولية في “المؤسسات المنتخبة”. فبعد”فوزهم” بالمقعد يلجأ هؤلاء “المنتخبون” إلى التحالف مع من أرادوا من “منتخبي” الأحزاب الأخرى بما في ذلك تلك التي تشكل خصما شكليا للأحزاب التي ترشحوا باسمها، بل إنهم لا يترددون في فعل ذلك حتى مع “ألذ” خصوم “الحزب” الذي يتظاهرون بالانتماء إليه.
هكذا فإن”منتخبي” هذه الأحزاب قد باعوا أصواتهم لبعضهم البعض، أو تحالفوا مع بعضهم البعض، ما يدلٌّ على أنه ليس هناك اختلافات أو تناقضات فكرية وسياسية بين أحزابهم، فأصبح من الصعب التمييز بينها، فتشابه البَقَرُ على المواطنين، واختلط الحابل بالنابل ولم نعد نعرف من مع من، فتأكد أنه ليس في قنافذ “الأحزاب المغربية” أملس، وأنّ بلادنا لم ترق بعد إلى بناء أحزاب فعلية. تبعا لذلك، يمكن أن نستنتج بكل بساطة أنه من الصعب الحديث عن تعدُّدية سياسية فعلية في المغرب…
فضلا عن ذلك، عندما يتحكم المال الفاسد في الانتخابات وتصبح الأحزاب مهووسة به، يغيب عنها الفكر والمشاريع والبرامج، وينعدم فيها التأطير والحيوية والحركية والنمو والانتشار، فتصاب بالتكلس، ما يفضي إلى فقدانها لمصداقيتها، ووقوفها على مشارف الانقراض. أضف إلى ذلك أنه كلما حضر المال طغت المصالح الشخصية، وغابت المصلحة العامة، ما يدلٌّ على عدم وجود الحزب، إذ من المفروض أن يكون الحزب في خدمة الصالح العام أوَّلا وقبل كل شيء. وعندما تسود المصلحة الخاصة تغيب المصلحة العامة وينتفي وجود الحزب. ولمّا تكون الأحزاب لا تخدم المصلحة العامة، فإنها لن تكون أحزابا، بل تتحول إلى مجرد دكاكين لممارسة التجارة السّياسيّة، فتفقد وطنيتها. لذلك يبدو منطقيا أن الزعامات الحزبية الحالية منخرطة في الحيلولة دون بناء مؤسسات ديمقراطية، ما يعني أنها تشكل خطرا على استقرار المجتمع والدولة وتحديثهما ودمقرطتهما…
هكذا،فبدون أحزاب سياسية فعلية لن تكون هناك تعددية حزبية تُمَكِّن من الاضطلاع بالتحديث والبناء الديمقراطي. ولا يمكن أن تنضج هذه التعددية في المغرب بدون مناخ سياسي في المجتمع يٌمَكِّن من التواصل مع أفراده وفئاته… ولتحقق ذلك، يجب على الأحزاب السياسية أن تؤهل نفسها للإنتاج المستمر لمعرفة حول ذاتها ومؤسسات الدولة والمجتمع حتى تتمكن من تجديد رؤاها وإعادة النظر في اختياراتها وأوضاعها الداخلية بما يمكنها من أن تتحول إلى مؤسسات لها مشروعها وهياكلها التنظيمية المنسجمة مع اختياراتها الفكرية والسياسية التي ينبغي أن تشكل أساس العلاقات بين أعضاء الحزب، وبينهم وبين قياداتهم بمختلف مستوياتها… وبذلك يمكن للحزب القيام بأدواره في المجتمع على أسس موضوعية تساعده على التوسع المستمر عبر كسب أعضاء جدد مقتنعين بالاندماج في بنائه الداخلي، فتزداد فاعليته في المجتمع والدولة، بحيث يكون قادرًا على المساهمة في إصلاحهما ودمقرطتهما وتنميتهما…
لكن عندما نتأمل الوضع الحالي للأحزاب السياسية في المغرب نجد أن معظمها يفتقد هذه الشروط، ما نجم عنه عدم قدرتها على الابتكار والنمو والتواجد في المجتمع. وهذا ما يتطلب إعادة النظر في المناخ السياسي الذي تعيش فيه هذه الأحزاب على نحو يمكنها من التواصل مع المجتمع والدولة والتفاعل معهما والإسهام في تحويلهما… كما ينبغي أن تعيد هذه الأحزاب النظر في رؤاها السياسية وأوضاعها الداخلية لتتحول باستمرار إلى مؤسسات حزبية فعلية ولا تبقى مجرد هياكل صورية لا روح فيها…
من الأكيد أن الأحزاب السياسية في بلادنا قد عرفت مجموعة من القيود والعوائق الذاتية والموضوعية الخارجة عن ذاتها التي عرقلت نموها ومنعتها من القيام بدورها الأساس في التنافس على تدبير الشأن العام، ما حال دون قدرتها على القيام بأغلب وظائفها المتواضع عليها في النظم الديمقراطية، إذ إنها لا تفكر، ما يعني أنها تفتقر إلى الرؤى والمشاريع، كما إلى الديمقراطية الداخلية. فنجمت عن ذلك صراعات بين زعاماتها التي ترفض فكرة التداول على المسؤولية وتوفير الشروط التي تؤهل الشباب للتدبير والاضطلاع بمسؤولياته في تدبير الحزب. وهذا ما يعاكس طموحات هذه الشريحة الاجتماعية التي ينبغي أن يتم تأطيرها لتمكينها من إبداع تجربتها الخاصة المسايرة لعصرها والخادمة لمستقبلها. ونظرًا لانعدام ذلك، فقد أصيبت البنية التنظيمية للأحزاب بالهشاشة، كما أن علاقاتها الداخلية هي، في الأغلب الأعم، محكومة بثقافة قَبَلِية وطائفية، ما يحول دون تحديثها وبنائها ديمقراطيا. زِد على ذلك أن انفراد زعاماتها بتدبير إدارتها وإعلامها وماليتها وغياب الشفافية في ذلك لا يمكن أن ينجم عنه إلا الانحراف والفساد والإفساد والضعف. علاوة على ذلك إنها لم تنخرط بعد في عصر المعلوماتية وما واكبه من تحولات في كافة المجالات، فأصبحت كمن يعيش في كهف معزول عن التطور العلمي وما يجري في العالم المحيط به من أحداث وتحولات.
فوق ذلك، فإن معظم المؤسسات الحزبية يتحكم في تشكيلها منطق العلاقات التقليدية، حيث تٌشَكَّل بالتعيين، أو بالتزكية، أو بانتخابات يطعن في نزاهتها آخرون من داخل الحزب…
تبعا لذلك وغيره من العوامل، أصبحت الأحزاب ضعيفة ومنفصلة عن الواقع، وصارت سهلة للاختراق من قبل قوى داخلية وخارجية، ففقدت استقلالها…
لذلك وغيره لن تستطيع الأحزاب السياسية المغربية من التخلص من انكماش دورها والتطور، حتى في غياب السلطوية، إلا عبر امتلاك رؤى ومشاريع جديدة تٌمَكِّنها من الانخراط في روح العصر، والتشبع بفكر تنظيمي منسجم مع اختياراتها لكي تكون لها فعالية وتأثير وتتمكن من التجدد المستمر والوجود الفعّال في الحاضر والمستقبل…

Loading...