مصطفى الخلفي : العدالة والتنمية حل وليس مشكلة

0 35

مصطفى الخلفي 

في كل مرة يحقق حزب العدالة والتنمية تقدما معتبرا في الانتخابات، تطفو على السطح عدد من المقولات والقراءات في تفسير نتائج الحزب واستشراف ما بعدها، ومن ذلك القراءة التي قدمها الجامعي محمد مدني في حواره المنشور في يومية لوموند بتاريخ 6 شتنبر الجاري ثم بعده في يومية “أخبار اليوم” في اليوم الموالي، حيث اعتبر أن تقدم العدالة والتنمية هو”مشكلة جدية بالنسبة للملكية”، رغم نفيه لكون هذا التقدم يشكل “تهديدا”، وهي قراءة غير سليمة وخاطئة وغير مسنودة، بل على النقيض منها، أثبتت الممارسة السياسية للحزب والمنطلقة من مرجعيته وفكره السياسي أنه كان دائما في إطار الشرعية ومعها، ويشتغل تحت قيادة جلالة الملك، وشكل دائما دعما وسندا للإصلاحات الكبرى الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية مع باقي القوى الحية، وهو ما تعضده تجربة الحزب في تدبير الشأن العام من داخل المؤسسات وخاصة منذ تحمله لمسؤولية رئاسة الحكومة حيث شكل عاملا ايجابيا في دعم مسيرة الإصلاح السياسي بالمغرب.

وهم التنازع

ولعل السؤال الحقيقي، والذي ينبغي طرحه بناءا على هذه القراءة الاسشترافية، هو متى طرح حزب العدالة والتنمية “مشكلة بالنسبة للملكية”؟ وهل في تجربة الحزب السياسية طيلة أزيد من عقدين أي منذ 1992 وإلى غاية اليوم ما يقدم دليلا يمكن الاستناد عليه من أجل القول بأن هذا التقدم الانتخابي يمثل مشكلة؟ أم هي تصورات افتراضية يقع إسقاطها على الحزب. في الواقع نحن إزاء قراءة جاهزة تدل على مشكلة معرفة حقيقية بطبيعة النظام السياسي بالمغرب وأيضا بطبيعة حزب العدالة والتنمية، ويكفي هنا التوقف عند عنصر جوهري في تجربة الحزب، ذلك أن من أسباب تقدمه خاصة في الأوساط الحضرية هو تجاوزه للإشكالية التي أربكت التطور السياسي للمغرب بعد الاستقلال، والتي تمثلت في إشكالية التنازع والصراع على السلطة .حيث قدم حزب العدالة والتنمية رؤية مختلفة وبديلة تتجاوز ذلك، وتقوم على التعاون بين المؤسسات عوض التنازع والصراع، وهو ما كان سببا في تصدره لنتائج الانتخابات التشريعية في نونبر 2011، حيث دافع عن رؤية “الإصلاح في إطار الاستقرار”، وهي الرؤية التي قدم من خلالها مع القوى الحية في الوطن جوابا على تطلعات الشارع في الإصلاح مع الحفاظ على الشرعية وعلى مقومات الاستقرار والوحدة وعلى رأسها المؤسسة الملكية، والتي شكلت على مدار التاريخ ضامنا للوحدة والاستقرار وقائدة للإصلاح. مثل هذه القراءة تقف عاجزة عن تفسير تطورات الأحداث التي عرفها المغرب ويعرفها، ولا سيما منذ الخطاب التاريخي لجلالة الملك في 9 مارس 2011 واعتماد الدستور الجديد، وانتخابات 25 نونبر 2011 التي بوأت حزب العدالة والتنمية الصدارة ب107 مقعد، ثم صمود التجربة الحكومية ومساهمة الأغلبية الحكومية بقيادة العدالة والتنمية في مواصلة عدد من الإصلاحات الكبرى، وبقاء المغرب استثناء سياسيا إصلاحيا في المنطقة، وهو استثناء تأكد بتصدر الحزب لنتائج الانتخابات الجماعية والجهوية بحيازته لأزيد من مليون ونصف صوت متقدما على باقي الأحزاب بفارق كبير، وهو ما لم يقع في تجارب دول أخرى، وأصبح اليوم محط إشادة واسعة في العالم. يضاف لذلك أن الأوراش التنموية المفتوحة في عدد من المدن الكبرى ستعرف وتيرة أسرع في الإنجاز وإرادة أكبر في التنفيذ، مثلما حصل مع رئاسة الحزب للحكومة، وهو ما يمثل دليلا إضافيا على عدم صوابية القراءة التي تعتبر هذا التقدم الانتخابي مشكلة.

التعاون وليس التعايش

في الواقع، نجد أن هذه القراءة تنطلق من قراءة أخرى يقع الترويج لها منذ سنوات، وهي قراءة تروج لمقولة التعايش، في إسقاط فج ومتعسف للمقولة الفرنسية في توصيف العلاقة بين رئاسة الجمهورية الفرنسية والوزارة الأولى عندما يكون هناك اختلاف بين المرجعية الحزبية لكل من الرئيس وأغلبية البرلمان. وهي الأخرى قراءة مضللة، تسقط الإطار الدستوري والسياسي الفرنسي على الحالة المغربية وتتجاهل عن قصد أو غير قصد الإطار الدستوري والسياسي المغربي، والذي ينص على أن “جلالة الملك هو رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، ويسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات”، وبالتالي فهو مبني على منطق التعاون بين المؤسسات تحت قيادة جلالة الملك ومبني على احترام المشروعية والوفاء لها والعمل في إطارها والامتناع عن التنازع معها، وهو ما يشهد عليه سلوك ومسار رئاسة حزب العدالة والتنمية للحكومة.

ثنائية حزبية قطبية وهمية

تبقى قضايا أخرى تثار بكثرة في تفسير نتائج الانتخابات وتوصيف الوضعية السياسية الناتجة عنها، ومنها افتعال ثنائية حزبية قطبية وهمية بين كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، والتي كان من الممكن أخذها بعين الاعتبار في حالة وجود برنامجين سياسيين مختلفين أو قاعدتين اجتماعيتين متباينتين أو تنافس ميداني واضح في المدن الحضرية وبمسارين تاريخيين وسياسيين مختلفين، وهو أمر غير موجود، بل إن الأمر يهم بنيتين حزبيتين مختلفتين من حيث النشأة والتكوين والتجانس والممارسة السياسية، وإلا لماذا لم يقع إبراز التقاطب مع حزب الاستقلال الذي جاء في الرتبة الثانية؟

النزاهة والنتائج وموضوع الحريات الفردية

ويضاف لذلك قراءة اختزالية تربط تقدم الحزب بنزاهته فقط، لتنكر عن قصد أو غير قصد الدور الحاسم والأساسي لأداء الحزب ومناضليه سواء على مستوى العمل الحكومي أو حصيلته في تدبير الشأن الجماعي المحلي، وحصيلته الإيجابية الأولية مقابل الأداء الضعيف للمعارضة، في حين اتسم أداء الحزب بالجدية والعمل على الوفاء بالإلتزامات البرنامجية والقرب من المجتمع، والجرأة في اتخاذ قرارات الإصلاحات الكبرى الصعبة وتحمل المسؤولية في ذلك، فضلا عن السياسة التواصلية المستمرة مع الشعب، وتميز الحزب بديمقراطية داخلية صارمة في اتخاذ قراراته في إستقلالية وفي اختيار مرشحيه.

كما تثار مقولة الرؤية المحافظة للحريات الفردية، رغم أن حصيلة الحزب في رئاسة الحكومة طيلة أربع سنوات كانت خلاف ذلك، وكذبت كل ما كان يروج منذ سنوات حول التضييق الذي قد يطال الحريات الفردية في حال وصول الحزب إلى الحكومة، حيث صادق المغرب على البرتوكول الاختياري لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وتم إصلاح النص القانوني المتعلق بالإجهاض، وتم تقليص عقوبة الإعدام من 31 عقوبة إلى 11 في مسودة مشروع القانون الجنائي، وهي ممارسة وأمثلة لا تسعف في توقع تراجع الحريات الفردية. فضلا عن أن هذا المجال لا يدخل ضمن اختصاصات الجماعات المحلية وليس من عناصر البرنامج الانتخابي للحزب. وللتذكير فقد شهد المغرب طيلة ثلاثة أشهر قبل الانتخابات نقاشات حادة حول هذه القضايا، وانخرط البعض من أجل استغلالها ضد حزب العدالة والتنمية، وثبت اليوم أن ذلك كان محدود الأثر في السلوك الانتخابي.

إننا إزاء حياة سياسية تتطور، وتتجاوز القراءات النمطية الجامدة والجاهزة، وتتطور نحو مشهد دستوري وسياسي يكرس الانتخابات الحرة والشفافة والنزيهة وحياد السلطات والتقدم الواضح في البناء الديمقراطي، والتصويت الواعي والمسؤول للمواطنين والمواطنات مما سيمكن من فرز مشهد حزبي يقوم على الجدية واستقلالية القرار باعتبار ذلك شرطا للإصلاح السياسي، وهي نتيجة عاجلة أو آجلة لرجة نتائج الانتخابات التي كانت تطبيقا عمليا للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة. إلا أن التطور الأكبر يقع في علاقة المواطن بالشأن السياسي، والذي حقق خطوة دالة إلى الأمام مع الانتخابات الأخيرة، وما نتج عنها من تقدم تدريجي لمسلسل مصالحة المواطن مع السياسة، تجلت بوضوح في تسجيل أزيد من 3 مليون ناخب جديد في لوائح الناخبين والتي تغيرت بفعل ذلك، خلافا لما جاء في حوار لوموند المشار إليه، فضلا عن نسبة تصويت معتبرة قدرت بأزيد من 53% مع إلغاء بطاقة الناخب واعتماد البطاقة الوطنية في التصويت، وهو ما يعني أن ورش الإصلاح السياسي اكتسب نفسا جديدا للمستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.