هل باتت عينا بنكيران على ولاية أخرى جديدة؟!

0 16

لاعتبارات عديدة ومتنوعة، منها ما هو سوسيو اقتصادي وثقافي وسياسي، لن يستطيع أبدا رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي، السيد عبد الإله بنكيران، مهما حاول جاهدا ومهما أعانه كبار ذراعه الدعوي، الارتقاء إلى مستوى بعض القادة السياسيين الأجانب، ممن يذوب عشقا في أساليبهم الخطابية ومنجزاتهم التنموية.
ويعزى الأمر إلى ضعف خبرته السياسية، وافتقاره إلى الحكمة والتبصر في تدبير الشأن العام، وعدم القدرة على التواصل مع الآخرين في إطار ديمقراطي ومقاربة تشاركية. فالرجل، ما انفك يريد الاقتداء بتجارب من تجمعه المرجعية الإسلامية بأحزابهم، كما هو الشأن بالنسبة لنظيره السيد أحمد داوود أوغلو، رئيس حزب “العدالة والتنمية” التركي ورئيس الوزراء، الذي جاء خلفا لمن ظل بنكيران مفتتنا بقدراته، رئيس تركيا السيد رجب طيب أردوغان، المتميز بالكاريزما السياسية، وقوة الشخصية والرؤية الثاقبة…
وجدير بالذكر، أن بنكيران تسلق المراتب وتقلب في المناصب، من رجل تعليم إلى مؤسس للجماعة الإسلامية ورئيس لها، إلى عضو بارز في حركة التوحيد والإصلاح، فأمين عام لحزب العدالة والتنمية إلى ما هو عليه اليوم. حرص دوما على المزج بين الخطابين الديني والسياسي، مما شكل لديه شخصية فريدة، ذات ملامح فرجوية وطابع شعبوي، أثارت حولها الكثير من اللغط والجدل، منذ أن شاءت “القدرة الإلهية” أن يتم تعيينه يوم 29 نونبر 2011 رئيسا للحكومة، في أعقاب تبوء حزبه صدارة الانتخابات التشريعية المبكرة في 25 نونبر 2011 ب107 مقعدا، إبان ما عرف ب”الربيع العربي”، وعلى إثر حراك شعبي شاركت فيه مختلف القوى الحية بالبلاد، تحت يافطة حركة 20 فبراير…
وعلى بعد سبعة شهور من ذلك، وتحت شعار: “شراكة فعالة من أجل البناء الديمقراطي”، انعقد المؤتمر الوطني السابع لحزبه في يوليوز 2012، ليتم تجديد الثقة فيه أمينا عاما لولاية ثانية، ويبعث إليه جلالة الملك محمد السادس ببرقية تهنئة، حاثا إياه على المثابرة والعمل الدؤوب بالقول: “إننا لواثقون بأنك، بفضل ما هو معهود فيك من روح المسؤولية العالية، ومن تشبث مكين بثوابت الأمة ومقدساتها، لن تدخر جهدا من أجل مواصلة حزب العدالة والتنمية لإسهامه البناء مع سائر الأحزاب الوطنية الجادة، في توطيد النموذج الديمقراطي والتنموي المتميز، الذي تقوده بحزم وثبات، لما فيه خدمة المصالح العليا للوطن والمواطنين”.
فأين نحن من المساهمة البناءة رفقة سائر الأحزاب الوطنية، في تعزيز النموذج الديمقراطي والتنموي المتميز، المفروض أن يقوده بحزم وثبات بعيدا عن سياسات التجويع والتفقير والمزايدات السياسوية؟ ألم يعتبر أن تجديد الثقة فيه حافزا أساسيا، ليس بالاشتغال على تطوير حزبه فقط، وإنما أيضا بتحقيق ما تعهد به من إصلاحات بنيوية وهيكلية، ورفع المعاناة عن المواطنين من موقع مسؤوليته في تدبير الشأن العام مع حلفائه في الأغلبية، وبتوافق مع المؤسسة الملكية وشراكة أحزاب المعارضة؟ فكيف تحول من سلطة تنفيذية إلى مجرد مساعد للملك؟
والأدهى من ذلك، أنه بدل الانكباب على ترجمة وعوده إلى حقائق ملموسة، لم يعمل طيلة الأربع سنوات الماضية سوى على هدر الزمن السياسي وإجهاض آمال وأحلام المواطنين، باتخاذه قرارات جائرة في حقهم، والعفو عن المفسدين من مهربي وناهبي المال العام، مما ساهم في ارتفاع درجات الاحتقان الاجتماعي، وتصاعد الاحتجاجات والإضرابات القطاعية والعامة رغم الاقتطاعات اللامشروعة.
وبالنظر إلى ما اكتسبه من دهاء سياسي، واصل مسيرته التضليلية ومغالطاته اليومية، في محاولات يائسة لإخفاء فشله، بافتعال صراعات وهمية ومزايدات سياسوية، والتواري خلف خطاب المظلومية، وسحب المعارضة إلى معتركه خارج هموم وقضايا الشعب. وفي الوقت الذي كان يبدو أمام عامة الناس متواضعا بعباءة الرجل الورع، مستعملا لغة شعبية بسيطة لدغدغة المشاعر، كان جريئا إزاء من يخالفه الرأي في المعارضة والصحافة المكتوبة بشكل خاص…
لقد عرف كيف يتوغل في المجتمع عبر المساجد والمؤسسات التعليمية والجامعية، وكيف يستقوي باسم الملك، ويستغل الخطاب الديني في لقاءاته التواصلية وخرجاته الإعلامية، كما عرف كيف يستفيد من المشاكل الداخلية لبعض الأحزاب، ويجيش كتائبه الإلكترونية للنيل ممن ينعتهم بالإلحاد والفساد وبيع المخدرات للعباد، وكيف يزرع أتباعه من الأئمة والخطباء والوعاظ في المجالس العلمية، ويعين أطره الحزبية في المناصب العليا بالإدارات والمؤسسات العمومية.
وقبيل انتخابات 4 شتنبر 2015، كثف من تنقلاته بين الأقاليم والجهات عبر طائرة خاصة، حيث تكفل أعوانه بحشد آلاف المواطنين وتنظيم تجمعات خطابية ضخمة لحملته الانتخابية، وعوض الحديث عن برنامج حزبه السياسي، كان يركز فقط على التشهير بمعارضيه، فيما ضاعفت أجهزته الحزبية وأذرعه الدعوية والنقابية والطلابية جهودها في الاستقطاب والأعمال الخيرية، خاصة ما يتعلق منها بتوزيع المواد الغذائية كأكياس الدقيق، وعلب السكر والشاي وقنينات الزيت، وتنظيم عمليات الختان وإرسال أطفال الفقراء والمعوزين إلى المخيمات الصيفية…
ورغم تواضع حصيلة حكومته، والإخلال بالتزاماته في الاستجابة للمطالب الشعبية ومحاربة الفساد والاستبداد، وتلكؤه في تفعيل مقتضيات الدستور حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وما أقدم عليه من إجهاز على المكتسبات، وخنق الحريات، وضرب القدرة الشرائية للمواطنين، وتجميد الأجور وإغلاق قنوات الحوار الاجتماعي وإثقال كاهل ميزانية الدولة بالمديونية، وغياب سياسات عمومية واضحة في معالجة ملفات: التشغيل، التعليم، القضاء، الصحة والمقاصة والتقاعد… فإن حزبه، تمكن لأول مرة في تاريخ الانتخابات بالمغرب، من حصد نتائج مدهشة جعلته يحتل المرتبة الأولى في الانتخابات الجهوية والثالثة في نظيرتها الجماعية، ويبسط هيمنته على كبريات المدن…
وبناء على هذه النتائج المبهرة، باتت عيناه مركزتين على تمديد ولايته الحزبية في الأمانة العامة، مما أصبح يفرض عليه، قبل نهاية ولايته الحكومية، تعديل قانون الحزب وإيجاد مخرج للظفر بولاية ثالثة في يوليوز 2016، تمهيدا للعودة مرة ثانية إلى رئاسة الحكومة ! متناسيا أن الفوز “الكاسح” لحزبه، لم يكن نابعا من قناعة الناخبين به وببرنامجه السياسي، ولا تعبيرا فصيحا منهم عن رضاهم بالعمل الحكومي الباهت، بقدرما كان في الواقع عقابا شديدا للمفسدين. وفي تقديرنا، من المستبعد إعادة هذا الإنجاز، في ظل ما عرفه تشكيل المكاتب بمختلف الجهات والمدن من تحالفات هجينة، غابت عنها المصداقية وحضر منطق المساومة وترجيح تبادل المصالح، ضدا عن إرادة الناخبين…
وبما أن الأحداث الجارية تشي بتشكل الوعي السياسي لدى المواطن، الذي يتطلع إلى إحداث التغيير، فإننا بتنا نعيش في منعطف حاسم، يلزمنا السهر على استكمال البناء الديمقراطي وإنجاح مشروع الجهوية المتقدمة. ويفرض على المعارضة، الكشف عن مكامن الخلل في خطابها السياسي، استجماع قواها وتجديد دمائها، إن هي أرادت فعلا خوض الاستحقاقات التشريعية القادمة، بروح تنافسية عالية، فالمغاربة اليوم في حاجة إلى بديل حقيقي يوفر لهم الحرية والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية…
اسماعيل الحلوتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.