القضية الهندسية هي قضية وطن و مواطنة (الجزء الأول)

 
“بخصوص التحلي بلقب “مهندس
يظن غالبية المهندسات و المهندسين و كذا المهتمين بقضايا الحقل الهندسي بالمغرب أن الحصول على دبلوم مهندس يكفي لحمل لقب مهندس و التوقيع به على الأوراق الرسمية و المراسلات المهنية ،في حين أن هناك شروطا و ضوابطا للتحلي بهذا اللقب و التي يفصلها الظهير الشريف الصادر بتاريخ 13 شعبان 1368 الموافق للحادي عشر يونيو 1949 و الصادر بالعدد 1368 من الجريدة الرسمية.

ينص الفصل الأول من هذا القانون على أنه “لا يجوز لأحد أن يتحلى في المغرب بلقب مهندس إن لم يكن حائزا لإجازة مهندس رسمية تسلم بالموجب إليه إما في المغرب أو في فرنسا أو في مستعمراتها أو في البلاد المشمولة بانتدابها أو بحمايتها أو في البلاد الأجنبية ويكون على هذه الصفة الأخيرة قد سبق لدولتنا الشريفة أو للدولة الفرنسية الاعتراف له بها” و هو ما يحيلنا إلى استخلاص نقطتين أساسيتين:

الأولى ،تخص تهرب المشرع من وضع تعريف محدد للقب “مهندس” عبر اختياره لمقاربة الدبلومات كمعيار مبدئي للتحلي به دون أن يفصل في أي قانون آخر : من هو هذا الإطار الوطني؟ و ما هي خصوصياته أو مميزاته؟ و ما هي انتظارات الدولة اتجاهه؟ فليس بالمعقول أن يلقى الجزء الأهم من مسطرة إيداع و دراسة ملفات الترخيص بالتحلي بهذا اللقب على عاتق مؤسسات التكوين التي لا تضع فرقا بين السلك التقني و الهندسي إلا عبر الشروط السطحية المتضمنة داخل دفتر الظوابط البيداغوجية الوطنية المعتمد من طرف وزارة التعليم العالي و البحث العلمي و تكوين الأطر و الذي لم يشر في أي من سطور صفحاته العشر، إلى خصوصية هذا المنتوج التكويني أو إلى الغاية من وضع هاته الضوابط عدى الحصول على رخصة المزاولة. و بالتالي لم يجب هو أيضا، إن كنا نسعى وراء تكوين “تقني متخصص” عالي المردودية؟ أم وراء تمكين الوطن من كفاءات متناهية الدقة و الإبداع في كافة مجالات تخصصها، تكون قادرة على التطوير و التجويد و المنافسة الدولية؟

إن غياب هذا التعريف أو هاته الرؤيا لدى كافة المعنيين بالأمر و كذا محاولة تفاديهما عبر صياغة دفتر ظوابط بيداغوجية فضفاض هو ما عبد الطريق للعديد من المتاجرين في هذا القطاع الحيوي لكي ينقلوا دبلومات “تقني متخصص” إلى دبلومات “ماستر” و من تم إلى معادلتها بدبلومات “مهندس”. و هو ما شجع العديد من مؤسسات التكوين العمومية إلى إضافة سنة دراسية لما دأبت عليه أو استبدال دبلوماتها (باك+5) في تخصصات غير هندسية حتى تتمكن من تخويل خريجها بدبلوم “مهندس الدولة”. و بما أن مبادرة “10.000 مهندس في أفق 2010″ كانت مبادرة كمية محضة فقد تم تسهيل المساطر الإدارية أمام كل هاته التجاوزات و غيرها ، مما أضر بجودة التكوين و فاقم البطالة بين الخريجين و ساهم في تدني الأجور و أفقد اللقب بريقه و قيمته وطنيا و دوليا.

أما النقطة الثانية و التي لا تقل أهمية ،فهي أن لقب مهندس بالمغرب هو لقب تم تقنينه في ظل الحماية الفرنسية و بعد مرور أزيد من 59 سنة عن نيل المغرب استقلاله لم تتحرك إرادة واحدة للمطالبة باستقلال الهندسة الوطنية عن هاته الوصاية المهينة عبر إعادة صياغة نص يليق بتطلعاتنا لمغرب أفضل أو على الأقل عبر تحيين بنوده. فمن العيب و العار أن ينشر حتى يومنا هذا، عبر الموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة ،ظهير شريف يوكل رئاسة اللجنة المكلفة بدراسة طلبات التحلي بلقب مهندس للسيد “الكاتب العام للحماية” و أن يشترط في أن يكون من بين أعضائها الثمانية المعينين من طرف “الكميسار المقيم العام” نائبان اثنان يكون واحد منهما من موظفي “المخزن السعيد“.

لا أتصور درجة الإهانة التي سيشعر بها كل من يصادف هاته الحقيقة و لكن الأكثر مهانة هو استمرار سكوت المهندسين عن هذا الوضع الشاذ الذي من شأنه أن يحيل للمتابعة القانونية كل من وقع بلقب مهندس دون حصوله على هذا التصريح و لو كان ذلك عبر رسالة في بريده الالكتروني. كما يفتح باب الطعن أمام كل من منح رخصة التحلي بهذا اللقب دون أن ينعم عليهم به السيد “الكاتب العام للحماية”.

إن نيل المغرب استقلاله يسقط عمليا إمكانية تطبيق مقتضيات هذا النص ، إلا أن تصفح لائحة المرخص لهم بحمل هذا اللقب و المنزلة بالموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة يخبرنا بأن آخر رخصة قد تم تسليمها يومه 02 أكتوبر 2014 ، أي أن هاته اللجنة ما زالت تشتغل بدورية. و هو ما يدفعنا لاستنتاج حلول الاجتهاد الإداري محل هذا الظهير الشريف طيلة 59 سنة الفارطة حتى صارت المطالبة بتنظيم المهن الهندسية كمحاولة تجريد واحدة من أقوى مؤسسات الدولة من إحدى صلاحياتها.

أما على مستوى المنظومة التعليمية فلا تفوتني الإشارة إلى أن هذا الظهير الشريف قد أصبح أيضا متجاوزا منذ أن ألغت وزارة التعليم العالي “إجازات مهندس” (باك+4) التي ينص عليها هذا النص و عوضتها بدبلومات “مهندس الدولة” (باك+5).

ما أننا بصدده الآن هو محاولة أخرى لتذكير كل من يعتبر القضية الهندسية ورشا ثانويا، بأن جل مشاكلنا القطاعية ما هي إلا فاتورة منطقية لتمادينا في تجاهل و إهمال النقط الأساسية لتنظيم المهن الهندسية التي تتواجد بقوة في صلب الأوراش الوطنية الكبرى التي لا يمكن إنجاحها إلا بضمان ممارسة العنصر البشري لمهامهه بكفاءة و استقامة و مسؤولية داخل إطار قانوني واضح و عادل.

كما أنها دعوة للمهندسات و المهندسين لنعترف جميعا و بكل مسؤولية و لو لمرة واحدة ،أن ممثلينا التاريخيين لم يتحركوا يوما إلا للمطالبة بتحيين القانون الأساسي لهيئة المهندسين و المهندسين المعماريين بالوظيفة العمومية عبر الزيادة في الأجور و لم ينتبهوا يوما إلى أن لب القضية هو أن يحظى الوطن بأطر هندسية مواطنة تشتغل بالقطاعين الخاص و العام. أطر كفئة ،مبدعة ،منظمة ،يصان إطارها قانونيا و لا تنتهك أخلاقيات ممارستها لمهنها لما فيه خدمة للمصلحة العامة قبل الخاصة.

فلنعترف بكل مسؤولية أنهم أخطئوا يوم أغفلت ملفاتهم المطلبية كون الشق المعنوي للقضية الهندسية هو الأولى و بأن الشق المادي ما هو إلا رد طبيعي لسلامة المنهج و سداد الهدف. و لنعترف أيضا بأن نضالنا خلفهم لم يخلف إلا الأثر السلبي لدى المواطن الذي صار يختزل نضال المهندسين و الأطباء و الصيادلة في أنانيتهم و استبدادهم للوطن عبر استماتتهم في الدفاع عن مصالحهم المادية رغما عن مسؤوليتهم اتجاه المواطن المحتاج.

القضية الهندسية هي قضية وطنية عادلة أصلها المواطن و لا يمثل فيها المهندس إلا الوسيلة. هي قضية تبدأ أولا و قبل كل شيء عبر إلغاء هذا الظهير المهين للمملكة و وضع قانون جديد يعرف بماهية المهندس المغربي و حبذا لو كان هو نفسه القانون المتعلق بخلق الهيئة الوطنية للمهندسين التي يوكل لها قانونيا ضبط التحلي باللقب و تنظيم المهن و الرقي بها. و هو الأمر المعمول به منذ عقود بالعديد من الدول الشقيقة كتونس و مصر و الأردن و العربية السعودية و فلسطين ناهيك عن جل الدول الغربية المتطورة.

المهندس رضوان أستو

مستشار سابق بالمكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للمهندسين المغاربة و عضو لجنتها الإدارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *