الغش الكبير والغش الصغير

عبد الرحيم الضاقية

عرف الرأي العام الوطني رجًة كبيرة وهو يشهد وقوع ما كان يخشاه كل مشتغل على الامتحانات أو يتهيأ لاجتيازها ،ألا وهو خروج مواضيع الباكالوريا الوطنية قبل موعد الفتح الرسمي . ولا يُعد هذا الأمر جديدا بل عاشت المنظومة خلال السبعينيات ( 1979) مثل هذا الحدث حين علقت مواضيع الباك في أبواب مراكز الامتحان وعلى أغصان الأشجار المحيطة بها .وقد شهد الجميع سقوط رؤوس من أعلى المستوى ، ثم تلتها تغييرات جوهرية في شكل ونوع الامتحانات . منذ ذلك الحين والأحداث تعد صغرى حتى بعد انفجار المعرفة ودخول وسائل الاتصال الجماهيرية على الخط عبر ” تسريبات ” التي قلل من أثرها المسؤولون معتبرين أن جوهر الامتحان لم يمس باعتبار أن الجميع يطلع على المواضيع في الساعة الأولى للإجراء .لكن ما تم التغاضي عنه هو تنامي ظاهرة الغش الممنهج والذي أصبح حقا مكتسبا يتم التحضير له شهورا قبل إجراء الاختبار : فلم تعد الحادثة على مستوى الباكالوريا واقعة عرضية تحدث عند تراخي المراقبة أو في بعض المواد أو بعض المراكز ، بل أصبحت ظاهرة بنيوية ملازمة . يتجند لها الآباء والأمهات وجميع المتدخلين/ات ولعل الاعتقالات الأخيرة تكشف الشرائح الاجتماعية المتورطة والتقنيات الإلكترونية والطبية المعبئة . وقد كشفت أرقام رسمية لوزارة التربية الوطنية أن الغش الذي تمت معالجته رسميا تنامي بنسبة 700 في المئة ، رغم أن الواقع يشير إلى أكثر من ذلك باعتبار عدم حماية المراقبين/ات الذي يعانون من اعتداءات لفظية وجسدية وتخريب للمتلكاتهم/ن وتهديد لأبنائهم/ن مما يثنيهم/ن على القيام بالواجب . لكن اليوم توجد المنظومة الامتحانية في وضع آخر لأن ما وقع تم التعبير عنه بأقوى العبارات من أعلى منصب حكومي، لكن بالمقابل نشهد غموضا وانهزامية من جانب المعنيين المباشرين ويدخلون على هذا المستوى في خانة الغش الكبير .
عند طرح ظاهرة مثل هذه تستوجب المقاربة البسيطة الغوص في خلفيتها وجذورها : فالمتتبع للامتحانات الإشهادية يقف مشدوها أمام الممارسات المشينة التي تُستهل بها أمام أطفال أبرياء في مستوى السادس ابتدائي حيث يتجند البعض لوضع هؤلاء الأبرياء أمام غش الكبار لتنهار أمام أعينهم القيم التي لقنتها إياهم المدرسة : فترى بعض منعدمي/ات الضمير يحررون ألأجوبة على السبورة ويتبادلون الأقسام من أجل حل مسائل الرياضيات أو الجواب عن أسئلة اللغة الفرنسية أو الإعراب حيث يعمد ألأبرياء في بعض الأحيان إلى نسخ ما كتب على السبورة في أوراق التحرير ، حتى أن بعض أوراق التحرير يجد فيها المصححون/ات تاريخ اليوم الذي ترك في السبورة بعد انتهاء الدروس أو أشياء لا علاقة لها بالاختبار؟؟؟ وترى بعضا من الإداريين/ات وهم يقيمون الحراسة على باب المؤسسة / مركز الامتحان خوفا من قدوم لجنة أو زائر ثقيل بل تمتد الحراسة حتى الطرقات المؤدية إلى المؤسسة خاصة مع انتشار الهواتف النقالة أصبح الأمر عبث أطفال . وبعد انتهاء هذه المهزلة الامتحانية يبدأ التصحيح للإجهاز على ماتبقى من المصداقية . وسوف أختار هنا عرض صورة من ضمن آلاف الصور المقززة التي تجسًد إلى أين وصلت الأمور… إنها صورة مصحح/ة أمامه أوراق الاختبار وعلى الطاولة قلم أحمر وآخر أزرق ثم مبًيض Blanco . عندما تستوقفه/ا وضعية تستحق “التدخل” يمسح الخطأ بالمبيًض ثم يكتب الصواب بالأزرق ويعطي النقطة بالأحمر…؟؟؟ إلى هنا تتوقف جميع القراءات والتأويلات والمقاربات ويبقى للمسؤول أن ينطق أو يسكت وفي هذه الحالة فهو متواطئ .
على مستوى آخر ننتقل إلى المحطة الإشهادية الموالية وهي الامتحانات الجهوية للثالثة إعدادي حيث يكون التخريب القيمي قد حصل وتأسست أعرافه بشكل جلي حيث يصبح الغش آلية مرتبطة بجميع الوضعيات الاختبارية ودخلت عمليات الابتزاز الساعاتي ضمن الممارسات العادية ، حيث تم تحويل العلاقلات مع بعض الأساتذة/ات والمواد إلى بورصة للدفع المسبق بمناسبة درس أو فرض . وهنا تكون مناسبة الاختبارات استثمارا لكل ماسبق في ظل تراخي الجهات المسؤولة التي لم تقم بنفس الحملة التي قامت بها على مستوى الباكالوريا. فقد احتفظ التلاميذ/ات بهواتفهم النقالة ولوحاتهم الإلكترونية . وبعد توزيع الأوراق بدقائق يبدأ الإملاء الهاتفي انطلاقا من المقاهي والدور المجاورة ويتم تجنيد الطلبة/ات والتلاميذ/ات وحتى بعض الأساتذة/ات المتآمرين والمتعاقدين مسبقا ومنذ بداية السنة مقابل إتاوات شهرية مغطاة بلفظة ” السوايع ” . وكل مس بهذه الشبكة المعدة سلفا تجر على المعترض/ة عليها الإهانات والاعتداءات اللفظية و الجسدية التي عكسها الصحافة الوطنية ، بل ذهب الأمر هذه السنة (يونيو2015) إلى تخريب بأكملها (إعدادية عبد المومن بمراكش) احتجاجا على صرامة الحراسة . وخلال هذه السنة رغم دخول آليات رصد الهواتف وتحريك فرق مراقبة الغش في مراكز الباكالوريا ، فلم تشمل هذه الإجراءات الإعداديات كأنها محصنة ؟؟؟ هذا الغش الصغير هو الذي ينمو ويتحول ويتأسس في أذهان التلاميذ/ات لكي يعطي الغش الكبير الذي سًرب الامتحان وغطى الظاهرة بأرقام ونسب لا تٌعبر عن الحقيقة وأسًس نظاما تربويا وامتحانيا لا يتطور بل يحافظ على مكاسب الذين يستفيدون منه ضدا على منطق العصر. إن تلاميذ/ات القرن 21 لقادرون على كشف المستور مسلحين بذكائهم/ن وتمكنهم/ن من التيكنولوجيا ، وإن لمن المضحكات المبكيات فعلا أن تحمًل الوزارة موقع الفيسبوك مسؤولية ماوقع. إن ما تتيحه اليوم هذه الثورة لكفيلة بهدم أسس الأنظمة الأمنية الواهية التي تختفي ورائها الوزارة الوصية وتعتبرها ناجعة.
لعل هذه الكبوة لمناسبة سانحة لمراجعات شاملة للمنظومة وللأنظمة الاختبارات ومنهجيات إعدادها وشكلها الحالي ، إضافة إلى المطلوب من الاختبار قياسه: لأن الاختبارات التي تسأل المخزون المعرفي لدى التلميذ/ة سوف تجر معها الغش لا محالة ولا تشد امتحانات 2015 عن هذه القاعدة فعندما يطلب من التلميذ/ة أن يعرف أو يجيب عن أسئلة من قبيل ماذا ؟ هل؟ فإنه يلجأ إلى عُدة غشه سواء الورقية أو الإلكترونية . لن تستقيم هذه الإجراءات دون مراجعة شاملة للمناهج والبرامج وتحيين المعرفة في المواد الدراسية ، لأن المقاربة المعتمدة في بعضها لا تستدمج الثورة المعلوماتية الحالية ولازالت تمتح من مرجعيات المقاربة الموسوعية التي تبدأ بالتعريف ثم التصنيف ثم الخلاصات ، أو القاعدة والمثال ثم التطبيق…كما أن الأطر المرجعية قد وصلت حد أصبحت معها لاتتيح الإبداع في الوضعيات الاختبارية التي أصبحت نمطية . كذلك لامناص للوزارة من تفعيل النصوص القانونية المرتبطة بالامتحانات لكي لا يفلت أحد من العقاب سواء داخل المنظومة أوغيرها مع حماية أكبر للمتدخلين/ات المباشرين في العملية الامتحانية .ولعل الظرفية الحالية ، ونحن بصدد إصلاح شامل للمنظومة اعتمادا على التقرير الاستراتيجي للإصلاح ، تعد سانحة لإحداث تغييرات شجاعة ومؤلمة كي نضمن مستقبل أطفال/ أبرياء هذا الوطن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *