ماذا أعدت حكومة بنكيران لمجابهة آفة الدعارة؟

0 31

 

بعد توليها مسؤولية إدارة شؤون المرأة، حاولت جاهدة من أجل محاربة الدعارة في المجتمع. وفي تصريح سابق لوسائل الإعلام، قالت: “ليست المسألة في القول بأننا نسعى إلى مكافحة الدعارة. لكن، يجب علينا في البداية، إيجاد السبل الكفيلة بتحقيق ذلك، فهدفي والحزب من ورائي أن نرى اندثار الدعارة من مجتمعنا”. إنه الرد الواضح لابنة الريف ذات الجنسية الفرنسية والأصل المغربي السيدة: نجاة فالو بلقاسم، وزيرة المرأة في فرنسا، قبل مسكها وزارة التربية الوطنية، التي استطاعت بقوة إرادتها إقناع الفاعلين السياسيين بإعادة النظر في قانون محاربة الدعارة، ما أدى إلى وضع قواعد جديدة لتنظيمها، وتشديد الخناق على مافيات الاتجار بالبشر، حماية للنساء ضحايا الدعارة من الاستغلال الجنسي.
وكم كان الأمر سيسعدني كثيرا، لو أني وجدت مثل هذا الاهتمام يشغل بال السيدة: بسيمة الحقاوي وزيرة التضامن والمرأة ببلادنا، حتى تكون أكثر انسجاما مع روح المرجعية الإسلامية للحزب الحاكم الذي تنتمي إليه. لكنها لضعف تجربتها وارتباك الحكومة في معالجة القضايا الكبرى، بدت ضائعة بلا بوصلة بين الملفات، فاقدة الثقة في كل المشاريع الجاهزة والدراسات المنجزة.
ذلك أنه حتى إذا ما سلمنا جدلا بأن حزب “العدالة والتنمية”هبة من الله، جاء للإصلاح كما يدعي أمينه العام ورئيس الحكومة السيد: عبد الإله بنكيران، وأن السيدة الوزيرة تسعى فعلا إلى النهوض بواقع المرأة. هل كان ضروريا التشكيك في ما وجدته أمامها من تراكمات إيجابية، بدل حسن استثمارها؟ فالرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام نفسه قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وهو ما يعني أنه جاء لإكمال ما بدأه غيره. فلماذا هذا الإصرار على تبخيس جهود الآخرين وشيطنتهم، وعدم الاعتراف بتضحياتهم الجسام؟. وقد كشفت عن توجسها، من خلال قرارها القاضي بتوقيف مشروع الخطة من أجل المساواة، التي دخلت حيز التنفيذ في عهد الحكومة السابقة، وسارعت إلى إخضاع ما تضمنته من أفكار نيرة للمراجعة، رغبة منها في طمس معالمها والاحتفاظ بما يتناغم وتوجهاتها الإيديولوجية. وبالعودة إلى ما ورد في الخطة، نجدها تدعو إلى محاربة الصور النمطية الحاطة من كرامة المرأة، وحماية حقوق النساء ضحايا البغاء والدعارة، عبر إجراءات نوعية ودعم أنشطة اقتصادية مدرة للدخل، واقتراح برنامج لنشر ثقافة جنسية بين المتمدرسين من الجنسين… وها قد مرت ثلاثة أعوام على تولي حزبها “الإسلامي” قيادة الائتلاف الحكومي، فماذا أعد لتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والدعارة، عدا المزايدات السياسوية والصراعات الخاوية؟
للدعارة عواقب وخيمة على الأفراد والمجتمع، لكن المشرع المغربي لم يقدم بشأنها تعريفا قانونيا شافيا، واكتفى بالتنصيص على الجنايات والجنح، في الباب الثامن من القانون الجنائي بما أسماه: “الجنايات والجنح ضد الأسرة والأخلاق العامة”، والفصل 490 الذي ينص على أن: “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة، لا تربط بينهما علاقة زوجية، تكون جريمة الفساد، ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة”. وفي غياب الوضوح التام، أصبح الباب مفتوحا على مصراعيه لابتزاز الموقوفين أثناء الحملات الأمنية الموسمية ومداهمة المواخير. والدعارة من أقدم المهن في تاريخ الإنسانية، تستنبت جذورها في أوساط تعاني من ظروف عيش قاسية، وتتجلى مظاهرها في الفقر والتهميش والبطالة، وهي من أخطر الآفات الاجتماعية، الناجمة عن سوء التدبير الاقتصادي والاجتماعي للأنظمة السياسية.
والمغرب من الدول التي تزدهر فيها تجارة الرقيق الأبيض، حيث تشير التقارير الدولية إلى أنه من بين دول شمال إفريقيا والبلدان العربية التي تنتشر فيها هذه الظاهرة، وهو ما يجلب لنا العار ويسيء إلى سمعة نسائنا وبلادنا. فالأوضاع الاقتصادية المتردية، تجبر الكثير من الأمهات العازبات والفتيات والنساء المطلقات والأرامل وحتى الأجيرات، اللواتي تعشن حالات من الهشاشة والفقر المدقع، في مختلف المدن والقرى النائية، على اللجوء إلى بيع أجسادهن، ليس بدافع البحث عن لذة زائفة ومحرمة شرعا وقانونا، وإنما لإغلاق أفواه جائعة في بيوت منسية. فلا خيار أمامهن سوى الارتماء في أحضان عالم موبوء، وتحمل مختلف أشكال العنف والإهانة التي تمارس عليهن، وقد تزداد الأحوال سوءا وتعقيدا لدى اللواتي تتعاطين التدخين والمخدرات والخمور، بحثا عن أقنعة للهروب من واقعهن.
فالدعارة نتاج سياسات عامة فاشلة، يسودها الظلم واللاعدالة الاجتماعية، وغياب الوازع الأخلاقي. وما ارتفاع نسبة العاهرات بيننا، إلا نتيجة طبيعية لعجز الحكومات المتعاقبة عن وضع مقاربات حقيقية، ذات أبعاد سياسية وأخلاقية واجتماعية، للخروج من بؤر الضياع والرذيلة. وتنقسم الدعارة إلى: رخيصة يحرض على ممارستها انخفاض السعر في أوكار بئيسة بالأحياء الشعبية والقرى النائية، وفي الشارع العام والحدائق العمومية، ودعارة راقية تتطلب أجورا باهظة، تنظم سهراتها في الفنادق الفخمة والشقق المفروشة، وتنطلق أحيانا من المراقص والملاهي الليلية. فضلا عما اصطلح عليه بالسياحة الجنسية، وهو قطاع يبيض ذهبا لاستهدافه أثرياء عرب وسياح غربيين، خاصة إبان تنظيم المهرجانات الفنية. وتبقى الأهم هي الخارجة عن الحدود، تلك التي “تساهم مداخيلها بقسط وافر في الاقتصاد الوطني”، عبر تحويل مبالغ مالية مهمة إلى المغرب واقتناء شقق فاخرة، من لدن فتيات ونساء تم التغرير بهن، وتصديرهن إلى دول الخليج ودول عربية وغربية، تحت عقود عمل مزيفة لاستغلالهن جنسيا، في غياب قانون صارم ضد الاتجار في الرقيق الأبيض، وعدم قدرة السلطات على حمايتهن من شبكات التهريب.
وفي هذا الإطار، جاءت صرخة إحدى المستشارات البرلمانيات من المعارضة، أمام رئيس الحكومة في جلسة شهرية بمجلس المستشارين، مطالبة بالتحلي بالجرأة والإقرار بمساهمة الدعارة في اقتصاد البلاد، داعية الحكومة إلى اعتماد أسلوب جديد في التعامل مع الظاهرة، رافضة تحميل المرأة وحدها وزر “الخطيئة”… وتأتي هذه الصرخة المدوية، داعمة للأصوات المنادية بتقنين الدعارة، على خلفية أنها ظاهرة اجتماعية تمارس في السر والعلن، وما لها من آثار سلبية على المجتمع في نشر الأمراض المتنقلة جنسيا بين أفراده ك”السيدا”، في ظل غياب الحماية الصحية للمومسات، ولكون القانون المغربي يدين المرأة وحدها.
الدعارة بحر عريض، واستمرار الغوص في أعماقه سيجعلنا لا محالة نكتشف المزيد من الأهوال والفظاعات، التي لا تشرف بلدا في مستوى المغرب، المتميز بعراقة حضارته وتنوع ثقافته، والذي يسهر على أمنه واستقراره أمير المؤمنين الملك محمد السادس، ويقود حكومته حزب ذو توجه إسلامي. فمحاربة آفة الدعارة، لا تتم بواسطة إحداث شرطة نسائية “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ولا بدعم الأرامل بمبلغ مالي زهيد لن يحول دون مد اليد أو بيع الجسد، وإنما بوضع استراتيجية مندمجة، تقوم على أسس التربية الجيدة ومشاريع تنموية ناجحة، وتكريم المرأة وتحصينها من كل انحراف واستعباد، وتوفير ظروف عمل أحسن للعاملات في المعامل والضيعات الفلاحية، وابتكار بدائل حقيقية تحفظ للمعوزات كرامتهن، وتقيهن شرور الاستغلال الجنسي والانتخابي…
اسماعيل الحلوتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.