ثقافة الانقراض

محمد بوبكري
لقد ساهمت التمايزات بين البلدان الغربية و”البلدان الإسلامية” في تفوُّق الأولى على الأخيرة. وتكمن الفروق بينهما في النوع لا في الدرجة، حيث اتجهت رؤية الكنيسة المسيحية للعالم بعد النهضة الأوروبية والثورة الفرنسية نحو الابتعاد عن السياسة، فصار المسيحيون يرونَ أن البشر هم الذين يؤسسون للسياسة، وتمكَّن المواطن الغربي من الفصل بين إيمانه الديني الفردي وممارسته السياسية. ولم تُغيِّر الكنيسة رُؤيتها للعالم وترفع قبضتها عن الناس إلا بعد ثورة فكرية عميقة وثورات عنيفة أدت إلى الخروج من القرون والوسطى وفصل السلطة عن الدين.
لكن بالنظر في ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نجد أن مختلف أشكال السلطة ومجالاتها تنهض على الفكر الديني والقَبَلِي، إذ يحضر الفقيه والشيخ في مختلف شرايين مؤسسات المجتمع والسلطة.
قد يعترض البعض بأن تاريخ “العالم العربي” قد عرف ثورات كحركات الفكر القومي، وهو وَضعي… إلا أن مثل هذا الاعتراض يغفل أن الفكر القومي بكل أنواعه هو ضرب من الفكر الديني، إذ لم يُسائل الدين والقبيلة جوهريا، مما جعلهما يبتلعانه بحيثُ صار يتصرف سياسيا بخلفية فكر “الخلافة” و”القبيلة”… من الأكيد أن للاستعمار الغربي دور في ذلك، لكن النصيب الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق العرب والمسلمين أنفسهم.
فالعربي يُصوِّت في الانتخابات على من يُمثِّل فكرة سابقة لديه، فيمنح صوته لمن يُمثِّل طائفته أو قبيلته… وهذا ليس تصويتا بالمعنى الحديث، لأنه لا يقوم على اختيارات ومشاريع وبرامج يُعمِل فيها الفرد عقله ويقارن بينها، فيقرر لمن يمنح صوته كي يكون تصويته عقلانيا وله معنى… فحامل الفكر الطائفي أو القَبَلِي ليس هو من يصوِّتُ فعليا، بل طائفته أو قبيلته التي ترفض الديمقراطية هي التي تقترعُ مكانه. وبذلك، فهو يفقد فرديته ومواطنته، لأن تصويته يتعارض جذريا مع التصويت الحر الذي يعتمد العقل.
وما دامت البنيات الطائفية والقَبَلِية قائمة ولم تنصهر بعد في الخيار الديمقراطي، فالعالم العربي لن يعرف أيَّ تحول ديمقراطي، كما أن ثقافته لن تكون حيَّة ما لم تنتقد أسسها الفكرية الدينية والقبلية؛ فالعالم الحديث لم يتقدم إلا بعد ممارسته قطيعة مع هيمنة الفكر الديني والقَبَلِي، في حين لا نمتلك الجرأة على مساءلة أي مشكلة دينية. فعلي سبيل المثال، لا يستطيع المسلم أن يقول كلمة واحدة عن النبي موسى…، بينما يستطيع اليهودي أن يسائل الفكر الديني اليهودي، بل وأن يشكك فيه… نحن لا نفهم معنى الحرية التي تتجاوزُ مجرد إبداء رأي أو كتابة مقال، لأنها أعمق وأوسع بكثير. والمجتمع العربي قائم على أنواع كثيرة من العبوديات الخفية التي تغلفها السلطة والأيديولوجيات التقليدية بشعارات وخطاب سياسي مُدَمِّرين. ومعنى ذلك أن البنية العميقة لمجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنية عبودية ترفض الحرية…
لا تتقدم الشعوب إلا بالتحديث عبر إجراء قطيعة معرفية وسياسية مع الماضي، مثل أوروبا التي ما كانت لتبني حضارتها الكبيرة بدون إجراء قطيعة مع الكنيسة على نحو لم يمنع الإنسان الغربي من إبقاء الصلة مع خالقه أو يجبره على التنكر لتاريخه. وبالمثل، فنحن في حاجة إلى القيام بمثل هذه القطائع.
يحول الخلط بين السلطة والدين في مجتمعنا دون التفكير والمعرفة والتقدم… لذلك إذا كنا نطمح إلى الخروج من وضعنا التاريخي الراهن، فيجب أن ننطلق من قراءة جديدة للإسلام تجعل الدين تجربة شخصية روحية يجب احترامها. أما ما يهم شؤون البشر، فيجب أن يُترك للبشر وللقانون. فجرَّاء ربط الدين بالسلطة، تم تحويل العقيدة إلى مجرد أداة تسخرها السلطة وجماعات الإسلام السياسي… لخدمة أهدافها، مما يشكل عدوانا على الإنسان، فيمنعه من التفكير والحرية والديمقراطية وينفي المرأة …
نحن نسير في اتجاه الانقراض، لأنه لم يعد لنا أي حضور إبداعي في العالم، إذ لا نساهم في بناء الحضارة الإنسانية. فالشعب ينقرض عندما يفتقد القدرة على الإبداع التي تمكنه من تحسين عالمه وتغييره والاستمرار في الوجود. وأبرز دليل على ذلك كونُ أغلب “نخبنا” ما تزال تفكر في إطار السياق الفكري الذي سيقودنا إلى الانقراض. هذه هي أزمتنا الفكرية الفعلية، إذ إننا نجابه عالما جديدا وقويا بفكر متهافت ومُدَمِّر في وقت يتعين علينا إحداثُ قطيعة جذرية مع سياقنا الفكري على جميع المستويات وبناء ثقافة ومجتمع حديثين…
يقتضي تحرير الدِّين من السلطة وجماعات الإسلام السياسي… نضالا سلميا. فالعنف يعمق علاقته بالسلطة، وبذلك فكل الأساليب العُنفِية التي نراها اليوم لا تقدم “العرب” خطوة واحدة إلى الأمام، بل إنها تعيدهم إلى الوراء وتدمِّرهم…
ينبغي إحداث التغيير عبر إقامة نظام تعددي ديمقراطي، لكن ذلك لن يتأتى بالفكر الذي تنهض عليه السلطة ولا بالأساليب التي تعتمدُها. كما لا يمكن إحداث التغيير الديمقراطي ما لم يعرف المجتمع تحوُّلا ثقافيا حداثيا يؤهله لتحقيق فصل السلطة عن الدّين…
بالتكفير مليّا في عقلية مؤسساتنا وسلوكها، نجد أن البنية العميقة للسلطة لا تختلف عن نظيرتيها لدى ما يسمى ب “الأغلبية” و”المعارضة”، والسبب في ذلك أنَّ هاتين مجرد نسخة من البنية العميقة للأولى. ورغم زعم البعض بوجود اختلافات شكلية بين هذه البنيات، فهي كلها تعارض في جوهرها التغيير الديمقراطي وتنهج السلطوية لأنها مخترقة من قِبَلِ الفكرين الطائفي والقبلي… وهذا ما يفسرُ عدمَ امتلاك أي منها لمشروع للإصلاح والتغيير، وكونَ الصراع في بلادنا هو صراع من أجل السلطة لا من أجل الإصلاح والتغيير…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *