على من يكذب العثماني وصحبه !

0 183

اسماعيل الحلوتي

 

      لم يسبق للمغاربة أن شعروا بالغبن والخذلان من قبل أي حزب سياسي خلال قيادته لإحدى الحكومات المتعاقبة، مثلما شعروا بذلك مع تولي حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية اٌلإسلامية رئاسة الحكومة الحالية وما قبلها، الذي استطاع أمينه العام السابق وقياديوه التلاعب بمشاعرهم وبيعهم الوهم، مستغلين في ذلك عباءتهم الدينية وخطابهم الشعبوي الماكر ووعودهم الكاذبة. كما أنهم لم يعرفوا للندم معنى إلا بعد وضع ثقتهم في رمز “المصباح” ومنحه أصواتهم، اعتقادا منهم أنهم سيعمل على إجلاء الظلام من طريقهم، ويترجم الشعارات الانتخابية إلى حقائق ملموسة من محاربة الفساد والاستبداد وضمان الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى الحد من معدلات الفقر والأمية والبطالة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، والنهوض بأوضاع منظومتي التعليم والصحة…

      بيد أنه لم يلبث أن خاب ظن المغاربة في الحزب الإسلامي القائد للائتلاف الحكومي على مدى ولايتين متتاليتين، وتبين لهم بوضوح أنهم راهنوا على حصان خاسر جرعهم الخيبات حوالي عشر سنوات. ومع ذلك مازال قياديوه ينشرون الأضاليل في محاولة يائسة لطمس الحقائق، بدءا بأمينهم العام الحالي ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني الذي يعتبر أن حكومته هي الأفضل والأنجح على مر تاريخ البلاد، ولا يتوقف عن كيل المديح لها منذ أن جيء به خلفا لرفيق دربه في “حركة التوحيد والإصلاح” الأمين العام السابق للحزب وصاحب أكبر معاش استثنائي، بعد إخفاقه في تكوين حكومته الثانية.

      ذلك أنه بات مهووسا بالتنويه بحكومته في المجالس والمنتديات، كما فعل مؤخرا أثناء افتتاح الدورة السنوية الأخيرة للمجلس الوطني للحزب أو في اللقاء التواصلي الذي نظمته شبيبة الحزب يوم 30 يناير 2021، حيث أنه لم يكف عن الإشادة بإنجازاتها وحصيلتها العامة طوال سنوات تحمله مسؤولية قيادتها، مؤكدا على أن المغرب حقق في ظلها “ملحمة” كبرى ضد جائحة كورونا، التي أنهكت جهود بلدان العالم وقوضت اقتصاداتها وخلفت مآس إنسانية كبيرة. والتباهي بما توليه في برامجها من اهتمامات واسعة بالقطاعات الاجتماعية، وحرصها على تعزيز مكتسبات سابقتها… وما إلى ذلك من الهذيان الذي عودنا عليه في لقاءاته الحزبية وخرجاته الإعلامية المحدودة.

      وقبل حتى أن تتبخر كلماته في الهواء وتتوقف يداه عن الارتعاش ويعود وجهه إلى لونه الطبيعي، خرج علينا مساء يوم الأربعاء 30 يناير 2021 في البرنامج التلفزيوني “حديث مع الصحافة” الذي يديره الإعلامي المقتدر عبد الله الترابي بالقناة الثانية، القيادي بذات الحزب ووزير الطاقة والمعادن عزيز رباح، الذي قال بلغة “الواثق” من نفسه أن الحزب قام بدور هام في تدبير الشأن الحكومي، وأنه عازم على القيام بما هو أكثر من داخل التجربة الحكومية مستقبلا، مؤكدا على أنه يمتلك من المؤهلات والمقومات ما يجعله قادرا على تسيير حكومة جديدة. بشاخ ! 

      فعلى من يكذب البيجيديون؟ هل يعتقدون أنه مازال هناك من المغاربة من يمكن استغفاله ثانية؟ ثم كيف يجرؤ كبيرهم على الادعاء بأن حكومته صنعت الحدث في مكافحة فيروس “كوفيد -19″، والعالم أجمع يشهد بأن ملك البلاد محمد السادس هو من يقف خلف كل ما تحقق من نجاحات في محاصرة الفيروس التاجي منذ ظهور أول حالة ببلادنا إلى غاية استيراد اللقاح المضاد وإطلاق الحملة الوطنية للتطعيم الجماعي؟ أليس هو من أعطى تعليماته باتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية الاستباقية والوقائية، من أجل تطويق الوباء والحفاظ على صحة وسلامة المواطنات والمواطنين. وإحداث صندوق مواجهة تداعياته الاجتماعية والاقتصادية؟ فلم يريدون القفز على جهوده ومحاولة نسبها إلى أنفسهم؟

      فمن مظاهر الإفك والبهتان لدى العثماني وصحبه أنهم رغم ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من ترد، وما تشهد به التقارير الوطنية والدولية من تضييق على الحريات واستشراء الفساد والريع والرشوة والمحسوبية واحتلال المغرب مراتب متدنية في التنمية، جراء سوء التدبير والارتجال والتخبط وغياب الديموقراطية التشاركية والحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، أنهم يصرون على محاولة إيهام المواطنين بأنه لا يوجد حزب بديل عن حزبهم، بدعوى امتلاكه شعبية كبيرة والقدرة على التسيير وقيادة الحكومة القادمة وما بعدها. إذ يراهنون في ذلك على تزايد نسبة العزوف الانتخابي أمام توفرهم على كتلة ناخبة ثابتة، يحرصون على تحصينها بالعمل الإحساني المستمر. ناسين أو متناسين أن المغاربة ومهما كلفهم الأمر من تضحيات لن يسمحوا لهم بالعودة إلى التحكم في رقابهم والعبث بمصالحهم ومستقبل أبنائهم وبلادهم، بعد أن سقط القناع وانكشف جشعهم وفضائحهم وتهافتهم على المناصب وتعدد التعويضات والأجور…

       إنه إذا كان هناك من أحد يجب عليه الاعتذار، فليس هم أولئك الذين ينتقدون التدبير السيء للحكومة، بل المطالبون بالاعتذار للشعب هم العثماني وقياديو حزبه الذين أثبتوا أنهم لا يمثلون سوى أنفسهم وذويهم وعلى استعداد دائم للتنازل عن كل شيء مقابل الحفاظ على مناصبهم ومكاسبهم، إذ في عهدهم تم إلغاء صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات وإنهاك القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، والإجهاز على أهم المكتسبات من تقاعد وإضراب وتعليم عمومي ووظيفة عمومية، ارتفاع معدلات المديونية والفقر والبطالة واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وفي عهدهم أصبح 1,7 مليون شاب تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة يعيشون عالة على أسرهم خارج أسوار المدارس أو مراكز التكوين أو ورشات العمل، وهو ما يشكل قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.