الجزائري خالد عمر بن ققه يكتب: الجغرافيا المغاربيّة.. و«قوى الظّن”

0 155

 

تتجه الدول المغاربيّة فى حركة مسار التاريخ إلى تكريس ظنّ جماعات سياسية فاعلة، تقتات على ضعف تلك الدول، من أنها البديل المشروع لأنظمة عجزت عن الوفاء بوعود تاريخية للحركة الوطنية.. جماعة تخلط بين النقص المنتظر فى الفعل البشرى تارة، وتارة أخرى تحتل قواعد المقدس عنوة مع أنه مشترك بين كل أبناء تلك الدول، سواء أكان جامعا لها لرفض مشاريع القادة التاريخيين ومن ورثهم، أو مفرقا لها حين ولّت الأدبار أمام سيطرة الدنيوى على المبدئى، وفى وضوح سياسى يقدم المصالح العامة للشعوب، ويحقق لها مصالحها بما فيها ذات الصلة بمقاصد الشريعة.

ظنّها القائم على فكرة العداء للمشروع الوحدوى فى مرحلة أولى، مع الصراخ الدائم بالدعوة إليه علانية، ثم تعويلها على تفكيك الجبهة الداخلية، انطلاقاً من أن ما خلا فكرها باطل فى مرحلة ثانية، وتعميقها للمشكلات الداخلية حتى تحولت إلى فتنة عامة فى مرحلة ثالثة كما هى اليوم.. ظنها ذاك تحاول اليوم أن تجعل منه يقينا، وقد ساعدها على ذلك عدة عوامل، منها: الوضع المأساوى فى ليبيا، والأزمة السياسية الراهنة فى تونس، والوضع المرتبك فى الجزائر، والحالة المغربية حيث سيطرة المتغيرات على الثوابت، والموقع الجغرافى لموريتانيا حيث الحرب الدائرة الآن فى الصحراء الإفريقية بسَفَه محلّى، وتوجيه إرهابى وتدخل خارجى، ناهيك عن المختلف بين الدول المغاربية فى علاقاتها البينية الثنائية، وعلاقاتها الجماعية.

قوى الظّن تلك تراهن على زعزعة الدولة الوطنية فى نفى قاطع لعالميّة الإسلام، التى تبدأ من المحلى، وتبدو متحالفة مع الأنظمة القائمة فى دولها، إذا رأتها تتراجع عن ثباتها فى المكان، فى حدود عمقها التاريخ، وفرضها بشكل جديد الاستعمار الفرنسى، واعتبرها قادتها منجزا أسست عليه الدولة الوطنية، لأنه يكرس نظرتها لامتداد الأيديولوجيا من حيث هى إيمان خاص بها دون سواها من الشعوب مع أن هذه الأخيرة تشكل الغالبية العظمى، خير مثال عن ذلك موقف حركة النهضة التونسية من المغرب، وتأييد حركة حمس الجزائرية لها، لجهة الإعلان: أن لا حاجة للدول المغاربية بوجود المغرب لإقامة مشروع وحدوى أو تقارب بين دوله، والقضية كلها مجرّد خلاف داخل البيت الإخوانى فى الدول المغاربية حول العلاقة مع إسرائيل.

ما تأتى به اليوم رياح قوى الظن يعتبر معاول هدم للبناء المغاربى ـ التى حالت أسباب جمة دون إكمال صرحه ـ ونكوص سافر ومؤلم عن تاريخ مشترك للحركة الوطنية فى فرنسا خلال أربعينيات القرن الماضى حين كان قادتها يؤسسون لمشروع مشترك قاعدته الطبقة العمالية، وتنظيره الفكرى من الزعيم الفيتنامى «هوشى منه»، والمفكر العربى اللبنانى «شكيب أرسلان».

آن ذلك كان المغاربيون تحت حكم الاستعمار الفرنسى يحضرون لثورات تحقق استقلالهم، وتربطهم بأمتهم منذ أن قامت الثورة المصرية فى عام 1952 وما تلاها من قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958، سبقتها اتحادات أولى قليلة، وتلتها أخرى كثيرة، وما يهمنا هنا هى تلك الاستجابة والتفاعل من المغرب العربى مع المشرق العربى، فى ذلك اللقاء الوحدوى الأول، الذى تريد قوى الظن طمسه اليوم.. إنه مؤتمر طنجة 1958م.

وبعيدا عن الأسباب والدوافع، فإن دولنا العربية جميعها تواجه خطر تغيير الخرائط الجغرافية، تحت مسميات مختلفة، ولكل جهة من عالمنا العربى الواسع، خصصت طريقة، ونحن نشهد تكلفة رفض قوى اليقين، ومواجهتها لجماعات الظن المنتشرة والمتنوعة، لكنها فى ادعائها الظاهر بتحالف مع حكومات قائمة ومشاركتها فى الفساد، والتقليل من أهمية المنجزات، تراهن ـ فيما يبدو- على تعميم الظن، ووراثته لليقين، غير أنها وهى تقوم بذلك تنسى أن فطرة الشعوب قادرة على مواجهة تفسيرات وأفعال يسعى أصحابها إلى أن يكونوا بديلا، حتى لو جاء ذلك عبر الفتنة، أو القضاء على فضاء أوطان، ما كان لجماعات الظن أن تتمتع بما هى فيه اليوم دون مشروع دولة وطنية قامت بالدماء والدموع والعرق.

و«لأن الظن لا يغنى عن الحق شيئا» كما فى كتاب الله، فلتأخذ الشعوب المغاربية الدرس من إخوانها فى الدول العربية، حيث لم يغن أهل الظن جمعهم، وقد أحلوا جماعتهم وأحزابهم وشعوبهم قومهم دار البوار، حين فككوا الجبهة الداخلية، وعبثوا بالدولة الوطنية، ولذلك أقول: صحيح نحن أبناء أوطاننا ولكننا أيضا «مغاربيُّون» فى إقليمنا وعرب فى قومنا، وشركاء مع أهل الظن فى الدين كما شركاء معنا فى الوطن، حتى لو خربوه.

كاتب وصحفى جزائرى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.